لماذا ينتحر السوريون؟

0
Your rating: None
حسن سلمان ـ لم يعد الحديث عن الانتحار في سوريا مجرد حدث عابر يُقابل بصمت رسمي وتنشره وسائل الإعلام في صفحاتها الداخلية، بل بات ظاهرة اجتماعية تحتاج لمزيد من البحث والتحليل حول أسبابها ونتائجها الكارثية على المجتمع السوري. وربما لا نبالغ إذا قلنا إن العام الحالي سجل مستويات مرتفعة جدا من حالات الانتحار، حيث بلغ عدد المنتحرين خلال شهر واحد 55 شخصا. وهذا العدد الأخير يساوي تقريبا عدد حالات الانتحار الموثّقة في سجلات مركز الطبابة الشرعية بدمشق خلال الأعوام من 1996-2000 التي بلغت 84 حالة " 54 ذكور، 30 إناث" فقط من أصل 4195 حالة وفاة تم الكشف عليها من قبل قاضي التحقيق والطبيب الشرعي المكلفين في حينه، حسب موقع الأبجدية الجديدة. ويساهم غياب الإحصائيات الدقيقة وغياب المراكز المتخصصة بعلاج ذوي النزعة الانتحارية في تفاقم ظاهرة الانتحار، خاصة أن بعض الأسر التي يفكر أفرادها بالانتحار تحاول إخفاء الأمر خوفا من نظرة المجتمع الذي يجرم هذا الفعل من منظور ديني وأخلاقي. ظاهرة سلوكية وبائية ويقول الباحث الاجتماعي د. طلال مصطفى إن الانتحار هو "ظاهرة سلوكية شبه وبائية، ترتبط ارتباطا وثيقا بعوامل زمنية ومحيطية واجتماعية، وهو يرتبط بالنظام الاجتماعي، وما يطرأ عليه من ظروف مفاجئة، أو ما يجري على الجماعات الاجتماعية من تطور وتغير". ويضيف: "صنف "دوركهايم" الانتحار إلى ثلاثة أصناف، الانتحار الأثري (الأناني) والانتحار الإيثاري (الاستشهادي) والانتحار الفوضوي". ويؤكد مصطفى أن النوع الأول يكثر في الأسر والجماعات الدينية أو السياسية المتصدعة التي يعاني أفرادها قسوة الوحدة وسيطرة العزلة الاجتماعية على حياتهم، مشيرا إلى أن النوع الثاني ترتضيه الجماعة ويدعو العقل الجمعي إليه كون شخصية الفرد فيه تلتصق بالمجتمع، في حين أن النوع الثالث "يحدث في المجتمعات التي يطرأ عليها الاضطرابات المفاجئة أو الانهيار الأسري والاجتماعي". ويشير مصطفى إلى نظرية العزلة الاجتماعية التي ترصد إقدام الفرد على الانتحار بعد شعوره بأنه منبوذ وأن مجتمعه قد لفظه أو وضعه على هامشه، "وقد يحدث ذلك عندما يقاطع شخص اجتماعيا ويلصق به اتهامات باطلة، فيقدم على الانتحار". ويضيف "الشعور بالعزلة يصيب الشباب كما كبار السن، والوحدة تؤدي بهم إلى الهامشية والحزن والأفكار الشريرة وقطع الأواصر الاجتماعية، مما يؤدي إلى الأفكار الانتحارية”. ويجيب مصطفى عن سبب انتحار السوريين بقوله: "الأسباب كثيرة، قد تكون بسبب كارثة مالية أو مرض جسمي أو نفسي أو شقاق عائلي، غير أن النسبة العليا للمنتحرين هي لدى الخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل الذين لا تتوافر لديهم الطمأنينية في عمل مستقر ومنظم”. ويضيف: "منذ أيام أشرفت على مناقشة أطروحة علمية لنيل درجة الماجستير حول "أثر البطالة في ثقافة الشباب في مدينة السلمية" في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق، وأكدت الدراسة التي أجريت على عينة مكونة من 500 شاب أن 13.4 بالمئة من الشباب العاطلين عن العمل فكر بالانتحار، وهو رقم كبير جدا". ورغم أن مصطفى يؤكد الدور الكبير الذي يلعبه عامل الفقر والبطالة في التفكير بالانتحار، غير أنه يؤكد أنه غير كافي للإقدام على الانتحار، إذ لا بد من وجود سبب آخر رديف، "على سبيل المثال أسباب غرامية تتلخص برفض الأهل تزويج الشاب من الفتاة". ويضيف "ليس هناك سبب واحد للانتحار، فهو متعدد الأسباب تبعا لطبيعة المجتمع (ريفي- متمدن) وطبيعته الدينية، حيث نرى أن بعض الجماعات الدينية تدعو للانتحار في حين ترفضه جماعات أخرى". ظاهرة الانتحار قديمة في سوريا ويؤكد مصطفى أن ظاهرة الانتحار قديمة في المجتمع السوري، "لكن عدم وجود وسائل إعلامية كافية وعلاقات اجتماعية مباشرة في السابق حال دون التعرف إليها". ويشير مصطفى إلى أن طبيعة مجتمعنا الدينية تعتبر الانتحار فعلاً سلبياً "لذلك فإن بعض الأسر كانت تخفي انتحار أبنائها لأنه سابقا لم يكن يطلب تقرير طبي يبين أسباب الوفاة، أما الآن فالوضع تغير ولكن رغم ذلك فليس هناك إحصائية عن عدد المنتحرين، سوى الحالات المُعلن عنها في القصر العدلي والطب الجنائي". ويوضح مصطفى الفرق بين المجتمع العربي والمجتمعات الغربية فيما يتعلق بظاهرة الانتحار، حيث تنتشر هذه الأخيرة بشكل كبير لدى المسنين في الغرب "لأنهم يعانون العزلة فضلا عن شعورهم بانتفاء قيمتهم الاجتماعية، فضلا عن عدم وجود روابط أسرية". ويؤكد مصطفى أهمية الدور الذي يلعبه العامل الديني في مجتمعاتنا فيما يتعلق باحترام المسنين، "ونحن نعطيهم دور الحكيم في العائلة ويتم مشورتهم في زواج الأحفاد، وهذا يلعب دورا في تخفيف الانتحار عندهم". ويضيف "في مجتمعاتنا، على العكس، أغلب المنتحرين هم من الشباب، والسبب هو أن الشاب لدينا عندما يدخل في مرحلة تأسيس للمستقبل تزداد عليه الضغوط الحياتية والمادية بشكل خاص، وبعض الشباب لا يستطيع التكيف أو الاندماج مع هذه الظروف، فيفكر بالهجرة أو البحث عن فرصة عمل، في حين أن هذه الضغوط قد يؤدي ذلك إلى اضطرابات نفسية تؤدي أحيانا إلى ميول انتحارية". ويتابع "لا نستطيع فصل حالات الانتحار الأخيرة عن الأزمة المالية والمتغيرات العالمية بما فيها الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، والذي أدى لردود فعل سلبية تجاهه تمثلت بالاضطراب الفكري العقائدي الذي أنتج التيارات الدينية المتطرفة، كما أن التشتت بين ثورة الاتصال والمعلوماتية التي نعيشها والنكوص إلى الأفكار السلفية ساهم في تفاقم ظاهرة الانتحار في مجتمعاتنا العربية". ويؤكد الباحث النفسي تيسير حسون عدم وجود تعريف مقبول للانتحار، مشيرا إلى أن البعض يعرّفه بأنه "فعل مميت من الأذى الذاتي يتم الشروع به بنية أو قصد واع- قليلا أو كثيرا- لتدمير الذات، لكنه غامض وملتبس". ويشير حسون إلى أن الانتحار يتلو سلوكا معقّدا ومتعدد الأوجه، ويُشاهد كنتيجة مميتة لعملية طويلة الأمد، تصاحبها مجموعة من العوامل المتشابكة الثقافية والاجتماعية والظرفية والبيولوجية. ويضيف "هناك مجموعة من عوامل الخطورة والوقاية تستبطن الذات، وتغيّر التوازن بينها يساعد على توضيح تموّج خطورة الانتحار على مدى زمني معين، وظهور الانتحارية يعني إما اشتداد تأثير عوامل الخطورة أو ضعف تأثير العوامل الواقية". ويشير حسون إلى أن الانفصال عن شخص حميم –على سبيل المثال- قد يسرّع عدم التوازن الانتحاري لدى شخص لديه استعداد لذلك، نتيجة حادث حياتي سيء كعامل شدة أو وجود شبكة اجتماعية محطّمة، وبالتالي غياب الدعم الاجتماعي "عوامل خطورة". ويؤيد حسون مصطفى في عدم وجود سبب واحد للانتحار، مشيرا إلى أن النساء لديهم محاولات انتحار أكثر من الرجال، في حين أن الرجال ينجحون أكثر بالانتحار. ويشير إلى أن الحالة الاقتصادية السيئة قد تدفع البعض وخاصة بعض المجموعات الخاصة "طلاب- سجناء- لاجئين" إلى الإقدام على الانتحار، مؤكدا أن فعل الانتحار يكثر في الفصول الانتقالية كالربيع والخريف وفي العطل، وغالبا ما يتم مساء. ويقول حسون "إن الطب النفسي يعتبر أن الانتحار ينجم عن عدوانية موجهة نحو الداخل عند اليأس وانعدام الحيلة". ويضيف "يفترض "فرويد" أن سلوك تدمير الذات "الانتحار" يمثل عدوانية موجهة ضد جزء من الذات التي أدمجت فقدا لموضوع الحب "طفل فقد أمه" بُنية من الغرائز الثنائية "الآيروس" الذي يسعى للحفاظ على الحياة وتعزيزها، و"الثنانوس" وهو غريزة الموت العدوانية. ويشير حسون إلى وجود عوامل بيولوجية عصبية للانتحار تتلخص في كونه يتكرر في بعض العائلات، مشيرا إلى أن الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب ولديهم حالات انتحار في عائلاتهم هم أكثر احتمالا للإقدام على الانتحار من غيرهم، فـ "قابلية وجود السلوك الانتحاري سمة منقولة عائليا، ومستقلة عن اضطرابات نفسية خاصة". وحول الوسائل المستخدمة لإتمام فعل الانتحار يقول حسون "أغلب الحالات الواردة لدينا كانت من خلال تناول الأدوية أو السم، فضلا عن الشنق والسقوط من شاهق وقطع الرسغ". ويشير إلى أن طريقة انتحار الرجال هي أعنف من النساء، حيث "يلجأ الرجل غالبا للشنق، في حين تفضل النساء تناول الأدوية". ويرد حسون انتشار ظاهرة الانتحار إلى الحالة الاقتصادية وعدم الإحساس بالأمان فضلا عن أن كثيرا من الناس لا يجدون معنى أو قيمة لحياتهم، مشيرا إلى أن نسبة الانتحار ترتفع لدى الأطباء في العالم وخاصة أطباء التخدير ومن ثم أطباء العيون والأطباء النفسيين. ويدعو حسون إلى وجود مراكز لمعالجة المرضى النفسيين وخاصة مرضى الاكتئاب والتخفيف من التفكير الانتحاري لديهم أسوة بعدد كبير من الدول الغربية، مشيرا إلى ضرورة وجود خط هاتفي ساخن لمتابعة الأشخاص الذي لديهم ميول انتحارية، وتقديم النصح والإرشاد لهم. ميدل ايست اونلاي